Omrane

 آخر الأحداث والمستجدات 

ما الذي يعيق نمو التعاونيات النسائية بجهة فاس-مكناس ؟ قراءة باحث في الإكراهات والفرص

ما الذي يعيق نمو التعاونيات النسائية بجهة فاس-مكناس ؟ قراءة باحث في الإكراهات والفرص

تُقدَّم التعاونيات النسائية في الخطاب العمومي باعتبارها رافعة للتمكين الاقتصادي للمرأة القروية، وتؤكد الأرقام فعلًا أن عددها في تزايد مستمر. غير أن السؤال الذي يطرحه الاقتصادي ليس "كم تعاونية أُحدثت؟"، بل "كم منها يخلق دخلًا مستقرًا لعضواته بعد خمس سنوات من التأسيس؟". بين هذين السؤالين تقع المفارقة التي تعيشها التعاونيات النسائية بجهة فاس-مكناس: دينامية تأسيس قوية، يقابلها وزن اقتصادي محدود وهشاشة واضحة أمام الصدمات.

 

أولًا: ما الذي تقوله الأرقام؟

على المستوى الوطني، بلغ عدد التعاونيات المسجلة في السجل المركزي 69.193 تعاونية في منتصف يونيو 2026، تضم 825.754 منخرطًا، من بينهم 280.772 امرأة، أي قرابة 34% من مجموع الأعضاء. ويُقدَّر وزن القطاع التعاوني بنحو 3% من الناتج الداخلي الإجمالي و5% من الساكنة النشيطة. أما التعاونيات النسائية الخالصة، فقد بلغ عددها 7.891 تعاونية تضم أزيد من 73.000 منخرطة حسب معطيات مكتب تنمية التعاون لسنة 2025.

على مستوى جهة فاس-مكناس، تحتضن الجهة أزيد من 6.200 تعاونية تضم 63.468 عضوًا، من بينها 723 تعاونية نسائية تضم 6.573 منخرطة (معطيات 2023). وتتيح هذه الأرقام ثلاث ملاحظات تحليلية:

1.            وزن نسبي محدود: تمثل التعاونيات النسائية حوالي 11,7% من مجموع تعاونيات الجهة، ولا تستوعب منخرطاتها سوى نحو 10% من مجموع أعضاء التعاونيات بالجهة، وهي نسبة تبقى دون حصة النساء من العضوية على الصعيد الوطني (34%)، مع الإشارة إلى أن هذه الأخيرة تشمل النساء المنخرطات في التعاونيات المختلطة أيضًا.

2.            بنيات صغيرة الحجم: متوسط عدد المنخرطات في التعاونية النسائية بالجهة لا يتجاوز 9 عضوات، أي قريبًا من الحد الأدنى القانوني لتأسيس تعاونية (5 أعضاء وفق القانون 112.12). نحن إذن أمام وحدات ميكروية (Micro Units) ، برأسمال ضعيف، وقدرة محدودة على تحقيق اقتصاديات الحجم.

3.            سياق تشغيل صعب: لم يتجاوز معدل نشاط النساء 19% على الصعيد الوطني سنة 2025، في حين بلغ معدل البطالة بجهة فاس-مكناس 15,1%، وهو أعلى من المعدل الوطني (13%). كما فقد الوسط القروي 10.000 منصب شغل صافٍ بين 2024 و2025. في هذا السياق، تتحول التعاونية النسائية في كثير من الحالات إلى ملاذ اجتماعي أكثر منها مقاولة منتجة.

ثانيًا: خمسة إكراهات بنيوية

1. التسويق: الحلقة الأضعف في سلسلة القيمة

تنتج التعاونيات النسائية بالجهة منتوجات ذات جودة، من زيت الزيتون والأعشاب الطبية والعطرية إلى العسل ومشتقات الحليب والمنتوجات الحرفية، لكنها تظل رهينة قنوات تسويق موسمية ومجزأة، في مقدمتها المعارض كالملتقى الدولي للفلاحة بمكناس والأسواق المتنقلة. وقد كشفت جائحة كوفيد-19 حجم هذه التبعية: فحسب دراسة أنجزها المركز المغربي للدراسات والمقاولات الاجتماعية حول جهة فاس-مكناس، توقف نشاط 41% من التعاونيات المشمولة بالعينة بنسبة تراوحت بين 80 و100% بعد غياب المعارض. وقد سبق للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن نبه إلى ضعف التنسيق بين الفاعلين في منظومة تسويق المنتوجات الفلاحية وغياب حكامة مندمجة لها.

2. التمركز في أنشطة منخفضة القيمة المضافة

لا تزال الأنشطة التقليدية (الخياطة، الطرز، تربية الماشية) تمثل 28% من مبادرات التعاونيات النسائية على الصعيد الوطني. هذه الأنشطة ضرورية اجتماعيًا، لكنها تتسم بهوامش ربح ضيقة ومنافسة قوية من القطاع غير المهيكل، ولا تتيح الانتقال إلى منطق التثمين والتحويل الذي يخلق القيمة الحقيقية.

3. التمويل: من منطق المشروع إلى منطق المقاولة

تعتمد أغلب التعاونيات النسائية على الدعم العمومي في شكل منح لمرة واحدة (المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، برامج الجهة، الجوائز). هذا النمط يمول التجهيز الأولي، لكنه لا يمول رأس المال العامل ولا النمو. والنتيجة نمط متكرر: تجهيزات تُقتنى، ثم إنتاج يتراكم دون تصريف، ثم تراجع النشاط بعد انتهاء الدعم. ويبقى ولوج هذه التعاونيات إلى التمويل البنكي والقروض الصغرى محدودًا بسبب غياب الضمانات وضعف المحاسبة.

4. الكفاءات التدبيرية والحكامة

تعاني تعاونيات حديثة التأسيس عديدة من نقص في التخطيط التجاري، وضعف معرفة حاجيات السوق، وهشاشة الكفاءات التدبيرية والتقنية. وفي التعاونيات الصغيرة، تتركز المسؤوليات غالبًا في يد الرئيسة، مما يجعل استمرارية التعاونية مرتبطة بشخص واحد بدل مؤسسة.

5. الهشاشة المناخية

بحكم ارتباط جزء كبير منها بالفلاحة وتربية الماشية، تتأثر التعاونيات النسائية مباشرة بتوالي سنوات الجفاف. فقد فقد قطاع الفلاحة والغابات والصيد 47.000 منصب شغل بين الفصل الثالث من 2024 ونظيره من 2025، معظمها في الوسط القروي، وهو ما ينعكس على توفر المادة الأولية وعلى القدرة الشرائية للأسر القروية في آن واحد.

ثالثًا: فرص قائمة لم تُستثمر بعد

في المقابل، تتوفر الجهة على عناصر قوة حقيقية:

•             دينامية استثمارية جهوية: صادقت اللجنة الجهوية الموحدة للاستثمار على 444 مشروعًا سنة 2025 بقيمة تقارب 17,85 مليار درهم، تشمل الصناعة الغذائية وتطوير القطب الفلاحي Agropolis بمكناس. هذه المشاريع تحتاج إلى مزودين محليين، ويمكن أن تشكل سوقًا مضمونة للتعاونيات المنظمة.

•             رصيد من المنتوجات المجالية: زيت الزيتون بسايس وزرهون، النباتات الطبية والعطرية بالأطلس المتوسط، العسل، والمنتوجات الحرفية بفاس ومكناس، وهي منتوجات قابلة للتثمين عبر علامات الجودة والمنشأ.

•             أدوات عمومية جديدة: يعمل مكتب تنمية التعاون على إطلاق منصة تسويق رقمية (Marketplace) وبرنامج تكوين (Taawounya Academy) ومنصة التصريح الإلكتروني Sijil Coop، إضافة إلى شراكة مع "جيدة" لتحسين الولوج إلى التمويل. وعلى المستوى الجهوي، أطلق مجلس الجهة برامج الأسواق المتنقلة وبرامج دعم مثل "سامكين" و"مؤازرة".

•             أفق استراتيجي واضح: تطمح السياسة العمومية إلى رفع مساهمة القطاع التعاوني إلى 8% من الناتج الداخلي الإجمالي وخلق 50.000 منصب شغل سنويًا في أفق 2035. ولن يتحقق هذا الهدف دون انتقال نوعي في أداء التعاونيات النسائية.

رابعًا: مداخل عملية للانتقال من الكم إلى الأثر

1.            قياس "التعاونيات الحية" بدل عدد التعاونيات المحدثة: نشر معطيات جهوية دورية حول نسبة التعاونيات النشيطة فعليًا، ورقم معاملاتها، ومدة بقائها، حتى تُبنى السياسات على الأداء لا على التأسيس.

2.            التجميع بدل التشتت: تشجيع إحداث اتحادات أو مجموعات ذات نفع اقتصادي حسب السلاسل (زيت الزيتون، النباتات العطرية، المنتوجات الحرفية) لتجميع العرض وتحقيق أحجام قابلة للتسويق.

3.            ربط التعاونيات بالصناعة الغذائية الجهوية: إدماج التعاونيات النسائية في عقود تزويد مع وحدات التحويل بالقطب الفلاحي بمكناس، في إطار الفلاحة التعاقدية وآليات التجميع.

4.            تمويل مختلط مشروط: الجمع بين المنحة والقرض المضمون، وربط الدعم بمخطط أعمال وبمؤشرات تسويق، مع تمويل رأس المال العامل وليس التجهيز فقط.

5.            مواكبة ما بعد الدعم: اعتماد مواكبة تقنية وتجارية تمتد على ثلاث سنوات على الأقل بعد التمويل، لأن أغلب حالات التعثر تقع في هذه المرحلة.

6.            الرقمنة وعلامات الجودة: تأهيل التعاونيات للبيع الرقمي وللحصول على علامات المنشأ والجودة، بما يسمح بتجاوز الوسطاء والولوج إلى أسواق حضرية ودولية.

خلاصة

لم يعد التحدي في جهة فاس-مكناس هو إحداث مزيد من التعاونيات النسائية، بل ضمان بقائها ونموها. فالتعاونية التي تضم تسع نساء، وتبيع إنتاجها مرة أو مرتين في السنة في معرض، وتعيش على منحة التأسيس، لا يمكنها أن تكون رافعة للتمكين الاقتصادي مهما حسنت النوايا. إن الانتقال من منطق الدعم الاجتماعي إلى منطق المقاولة الجماعية المنتجة، المندمجة في سلاسل القيمة الجهوية، هو الشرط الأساسي لكي تتحول هذه التعاونيات من رقم في الإحصائيات إلى أثر ملموس في دخل النساء القرويات.

نبذة عن الكاتب :

الدكتور الحسين بويشو باحث في الاقتصاد القروي ، دكتورة في الاقتصاد القروي، وخريج معهد الحسن الثاني للزراعة و البيطرةIAV HASSAN II- الرباط ، وله أبحاث علمية منشورة في عدة مجالات، من بينها ريادة الأعمال القروية، والتنمية القروية، والاقتصاد الفلاحي، وسلاسل القيمة الزراعية، والاقتصاد الاجتماعي والتضامني.

 

مصادر المعطيات’

مكتب تنمية التعاون (ODCO): معطيات مجلس الإدارة، يونيو 2026؛ معطيات اليوم العالمي للمرأة القروية، أكتوبر 2025.

كتابة الدولة المكلفة بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني: معطيات جهة فاس-مكناس، يناير 2025.

المندوبية السامية للتخطيط: وضعية سوق الشغل سنة 2025 والفصل الثالث من 2025.

المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي: رأي "من أجل مقاربة مبتكرة ومندمجة لتسويق المنتوجات الفلاحية"، 2022.

المركز الجهوي للاستثمار فاس-مكناس: حصيلة 2025.

القانون رقم 112.12 المتعلق بالتعاونيات.

 

جميع الحقوق محفوظـة © المرجو عند نقل المقال، ذكر المصدر الأصلي للموضوع مع رابطه.كل مخالفة تعتبر قرصنة يعاقب عليها القانون.
الكاتب : د. الحسين بويشو، باحث في الاقتصاد القروي والتنمية القروية
المصدر : هيئة تحرير مكناس بريس
التاريخ : 2026-10-20 18:43:45

 تعليقات الزوار عبر الفايسبوك 

 إعلانات 

 صوت و صورة 

1  2  3  4  5  6  7  8  9  المزيد 

 إعلانات 

 إنضم إلينا على الفايسبوك